اخبار لبنان

إصلاح الدولة والنظام يبدأ من خدمة المواطنين!!

قانون بلا خدمات… هل يمكن أن يبني دولة؟

في أي دولة، لا يمكن فصل القانون عن قدرة الدولة على خدمة مواطنيها. فالقانون ليس مجرد نصوص تُكتب وتُقرّ في المؤسسات، ولا الإصلاحات مجرد قرارات تُعلن أمام وسائل الإعلام. الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى دولة قادرة على تطبيق القانون، ومؤسسات قادرة على تنفيذ القرارات، وخدمات تجعل المواطن يشعر بأن الدولة موجودة في حياته اليومية.

ومن هنا يبرز السؤال اللبناني الصعب:

كيف يمكن تطبيق إصلاحات حقيقية في بلد يعاني مواطنوه من ضعف الخدمات الأساسية؟

كيف نطلب من المواطن احترام القانون، بينما قد لا يجد دولة تؤمّن له الكهرباء بشكل مستقر، أو المياه، أو النقل العام، أو الإدارة الفعّالة، أو الخدمات الصحية والاجتماعية بالشكل المطلوب؟

لا يعني ذلك أن غياب الخدمات يبرر مخالفة القانون. هذه نقطة يجب أن تكون واضحة. فالقانون لا يصبح اختياريًا لأن الدولة مقصّرة، وإلا تحولت الدولة إلى فوضى. لكن، في المقابل، لا يمكن بناء علاقة صحية بين المواطن والدولة إذا كانت الدولة تطالب المواطن بواجباته كاملة، بينما تعجز عن تأمين الحد الأدنى من حقوقه.

الإصلاح لا يبدأ فقط من تغيير القوانين، بل من إعادة بناء الثقة.

والمواطن الذي يرى مؤسسة رسمية تعمل بكفاءة، وموظفًا يؤدي واجبه، ومعاملة تُنجز من دون واسطة، وخدمة يحصل عليها من دون إذلال أو انتظار طويل، سيكون أكثر استعدادًا للالتزام بالقانون ودعم الإصلاحات.

أما عندما تصبح الواسطة هي الطريق الأسرع للحصول على خدمة، ويتحول المواطن إلى باحث عن زعيم أو مسؤول أو علاقة شخصية لتسيير معاملته، فإن الدولة تخسر شيئًا أخطر من المال: تخسر هيبتها وثقة الناس بها.

وهنا تكمن المفارقة.

نطالب بالإصلاح الإداري، لكن الإدارة تحتاج إلى موارد وكفاءات.

نطالب بمكافحة الفساد، لكن مكافحة الفساد تحتاج إلى مؤسسات رقابية، وقضاء قادر ومستقل، وشفافية.

نطالب بتطبيق القانون، لكن تطبيق القانون يحتاج إلى أجهزة دولة فعّالة وقادرة على العمل.

إذن، الإصلاح ليس قانونًا واحدًا، بل منظومة متكاملة.

قانون عادل من دون مؤسسة قوية قد يبقى حبرًا على ورق.

مؤسسة قوية من دون رقابة قد تتحول إلى أداة للفساد.

خدمات جيدة من دون قانون عادل قد تتحول إلى امتيازات.

وقوانين وخدمات ومؤسسات من دون ثقة المواطن لن تنتج دولة مستقرة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس:

هل لدينا قوانين للإصلاح؟

بل:

هل لدينا دولة قادرة على تنفيذ هذه القوانين؟

لبنان لا يحتاج فقط إلى المزيد من النصوص، بل يحتاج إلى تحويل النص إلى ممارسة. المواطن يريد أن يرى الإصلاح في فاتورة أقل، وفي معاملة أسرع، وفي خدمة أفضل، وفي قضاء أكثر فعالية، وفي مؤسسة لا تسأله: «مين بتعرف؟» قبل أن تسأله عن معاملته.

كما أن الإصلاح لا يعني تحميل المواطن وحده مسؤولية إنقاذ الدولة. المواطن عليه واجبات، بالتأكيد، لكن الدولة أيضًا عليها واجبات واضحة تجاه مواطنيها.

فلا يمكن مطالبة الناس بالصبر إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أن تصبح عبارة «هذه مرحلة إصلاحية» مبررًا دائمًا لتراجع الخدمات أو غياب المحاسبة.

الإصلاح الحقيقي يجب أن يكون قابلًا للقياس.

كم تحسنت الخدمة؟

كم انخفضت مدة إنجاز المعاملة؟

كم تراجع الفساد؟

كم أصبح القانون أكثر عدالة؟

كم أصبح الوصول إلى الدولة أسهل بالنسبة إلى المواطن العادي؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح، بدل الاكتفاء بالشعارات.

في النهاية، الدولة التي تريد من مواطنيها احترام القانون عليها أن تثبت أولًا أنها تحترم حقوقهم.

فالقانون ضروري، والإصلاح ضروري، والمحاسبة ضرورية، لكن كل ذلك يحتاج إلى دولة حاضرة وفعّالة.

أما أن نطلب من المواطن الالتزام بقانون صارم، بينما تقدم له الدولة خدمات ضعيفة ومؤسسات مترهلة، فسنكون أمام معادلة ناقصة.

الإصلاح لا يبدأ عندما نكتب قانونًا جديدًا، بل عندما يشعر المواطن أن الدولة أصبحت تعمل من أجله، لا أنه يعمل دائمًا من أجل الوصول إليها.

وهنا يبقى السؤال مفتوحًا:

قانون بلا خدمات… هل يمكن أن يبني دولة؟ أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ أولًا بإعادة بناء الدولة نفسها؟

 

الحقيقة والخبر

الإعلامي ربيع الشيخ

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى