اخبار لبنان

الأثر النبوي الشريف في طرابلس- لبنان… من الهدية السلطانية إلى آل الميقاتي.

في مدينة طرابلس، التي تُعد من أعرق الحواضر الإسلامية في بلاد الشام، يُحفظ الأثر النبوي الشريف المنسوب إلى النبي محمد ﷺ، وهو شعرة من لحيته المباركة. وقد ارتبط هذا الأثر عبر الزمن بالمدينة وبـ الجامع المنصوري الكبير، أحد أهم معالمها الدينية والتاريخية.

وتذكر المصادر أن مهمة حفظ الشعرة النبوية الشريفة وخدمتها أُنيطت منذ عام 1890 بالشيخ محمد رشدي ميقاتي، والد الشيخ ناصر ميقاتي مؤقت طرابلس.

وتعود قصة وصول هذا الأثر المبارك إلى عام 1889، عندما رست في مرفأ طرابلس فرقاطة حربية عثمانية بقيادة خالص باشا، حاملة هدية من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني إلى المدينة، تمثلت بشعرة من لحية النبي محمد ﷺ. وقد قُدمت هذه الهدية بمناسبة ترميم المسجد التفاحي في حي النصارى في الزاهرية، والذي عُرف لاحقاً باسم المسجد الحميدي تيمناً بالسلطان.
واستقبلت طرابلس الأثر الشريف باحتفال كبير؛ إذ خرج الأهالي يتقدمهم العلماء والمشايخ لاستقباله، وعمت أجواء الفرح المدينة أياماً عدة، أُقيمت خلالها الموالد وحلقات الذكر في المساجد.

ولأن المسجد التفاحي كان يقع خارج أسوار المدينة القديمة، خشي العلماء على الأثر من الضياع أو السرقة، فاقترح وجهاء المدينة، وفي مقدمتهم الشيخ علي الميقاتي، نقله إلى الخلوة الميقاتية في الجامع المنصوري الكبير. وقد استقر الرأي على ذلك، فحُفظ الأثر هناك، وأصبحت الخلوة تُعرف منذ ذلك الحين باسم “غرفة الأثر الشريف”

عرض الأثر في ليالي رمضان

كان الأثر النبوي يُعرض في مناسبات دينية مميزة داخل الجامع المنصوري الكبير، بإشراف عائلة الميقاتي وبرعاية دار الفتوى في طرابلس والشمال، خصوصاً في ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان.

وفي تلك الليالي، كان أبناء طرابلس والمناطق المجاورة يتوافدون بأعداد كبيرة إلى الجامع لرؤية الأثر الشريف، في مشهد روحاني يملؤه الخشوع، حيث تتعالى الصلاة على النبي ﷺ ويشعر الناس بالقرب الروحي من سيرته العطرة.

جذور عائلة الميقاتي الدينية

يرتبط اسم العائلة بشخصيات دينية بارزة، أبرزها الشيخ كاظم بن خير الدين بن رشيد الميقاتي. ويعود نسبه إلى الشيخ محمد الميقاتي، المدفون في المقبرة الواقعة في الجامع الكبير في طرابلس.

وتذكر المصادر أن السلطان المملوكي السلطان قلاوون أحضر الشيخ محمد الميقاتي من مصر إلى طرابلس عندما بنى الجامع المنصوري في المدينة عام 693 هـ / 1293 م، وأسند إليه عدة وظائف دينية، ولا سيما علم التوقيت لما عُرف عنه من علم ودقة وشهرة في هذا المجال.

أمانة تنتقل عبر الأجيال

منذ ذلك الحين بقي الأثر النبوي الشريف أمانة محفوظة لدى عائلة الميقاتي، ينتقل حفظه من جيل إلى جيل داخل العائلة، بوصفه إرثاً دينياً وتاريخياً يرتبط بمدينة طرابلس وبالجامع المنصوري الكبير.

وهكذا تحوّل الأثر النبوي في طرابلس إلى رمز روحي وتاريخي يجمع بين الهدية السلطانية في أواخر العهد العثماني، وبين دور العائلات العلمية التي تولّت حفظه وصيانته، ليبقى شاهداً على عمق محبة أهل طرابلس للنبي محمد ﷺ وحرصهم على صون تراثهم الديني.

الإعلامي: ربيع الشيخ

خاص الحقيقة والخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى