مئة غارة في اليوم ليست مجرد رقم عسكري. إنها رسالة سياسية تقول إن الحرب دخلت مرحلة جديدة، وأن ما يجري لم يعد مجرد ردّ على هجوم أو عملية محدودة، بل محاولة لإعادة رسم قواعد المواجهة بين واشنطن وطهران.
بعد فترة من الهدوء النسبي، عادت الولايات المتحدة إلى ضرب أهداف إيرانية، خصوصاً مواقع مرتبطة بالحرس الثوري والرادارات والقدرات التي يمكن أن تهدد الملاحة والقوات الأميركية في المنطقة. وفي المقابل، ردّت إيران بالصواريخ والمسيّرات، بينما تصاعد التوتر في مضيق هرمز إلى مستوى غير مسبوق.
لماذا الآن؟
الجواب لا يرتبط بعامل واحد.
هناك أولاً فشل التهدئة في إنتاج تسوية سياسية نهائية. فالملفات الأساسية لا تزال مفتوحة: البرنامج النووي الإيراني، الصواريخ، العقوبات، النفوذ الإقليمي، وأمن الملاحة.
وثانياً، تحوّل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط أساسية. فإيران تدرك أن قدرتها على تهديد حركة السفن والطاقة تمنحها ورقة لا تستطيع واشنطن تجاهلها، فيما تعتبر الولايات المتحدة أن تأمين الملاحة خط أحمر. وقد تعرضت ناقلات نفط لهجمات جديدة، ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بقوة.
وثالثاً، يبدو أن واشنطن تريد منع إيران من إعادة بناء قدراتها العسكرية، خصوصاً الرادارات والصواريخ والمنظومات التي يمكن استخدامها في جولة جديدة من التصعيد.
هل الهدف إسقاط إيران؟
ليس بالضرورة.
فالضربات تستطيع تدمير منشآت عسكرية، لكنها لا تستطيع وحدها إسقاط دولة كبيرة مثل إيران.
المعادلة الحقيقية تبدو أقرب إلى إضعاف إيران وإجبارها على التفاوض من موقع أكثر ضعفاً.
لكن طهران تملك حساباً مختلفاً. فهي لا تستطيع مواجهة التفوق الجوي الأميركي بالمثل، ولذلك تعتمد على الصواريخ والمسيّرات، والضغط على القواعد الأميركية، وتهديد الملاحة والطاقة.
أي أن إيران تقول عملياً:
إذا كانت الحرب ستستمر، فلن تكون تكلفتها من طرف واحد.
ماذا بعد الـ100 غارة؟
أمام المنطقة ثلاثة احتمالات:
الأول: تصعيد واسع، تتحول فيه الضربات المتبادلة إلى حرب إقليمية مفتوحة.
الثاني: تصعيد محسوب ينتهي إلى التفاوض، بحيث تستخدم واشنطن القوة لرفع سقف مطالبها، وتستخدم إيران قدرتها على الرد لانتزاع شروط أفضل.
الثالث: حرب استنزاف طويلة، وهي الأخطر؛ لا انتصار حاسماً ولا تسوية نهائية، وإنما ضربات متبادلة وحصار اقتصادي واضطراب في أسواق الطاقة والملاحة.
المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد!
المشكلة أن عدد الغارات لم يعد هو المؤشر الأهم.
المؤشر الحقيقي هو ماذا سيحدث في اليوم التالي للغارات؟
هل تستطيع الولايات المتحدة منع إيران من إعادة بناء قوتها؟
هل تستطيع إيران تحمّل الضغط الاقتصادي والعسكري؟
وهل يبقى مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة النفط العالمية؟
فهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة.
فالولايات المتحدة تملك التفوق العسكري، لكن إيران تملك الجغرافيا وأوراق الاستنزاف.
وإذا لم تؤدِّ مئات الغارات إلى اتفاق سياسي، فقد تجد المنطقة نفسها أمام حرب طويلة لا يربح فيها أحد، لكن يدفع ثمنها الجميع.
ولهذا فإن السؤال لم يعد: كم غارة ستُنفذ على إيران؟
السؤال الأخطر هو: ماذا سيحدث عندما تنتهي الغارات ولا تنتهي الحرب؟
خاص: الحقيقة والخبر
الاعلامي:ربيع الشيخ