اخبار لبنان

النظام السياسي في لبنان: زعامة على الناس لا خدمة لهم!

في لبنان، لم تعد السياسة مفهومًا مرتبطًا بخدمة الناس وبناء الدولة، بل تحوّلت إلى مشروع شخصي قائم على المصالح والنفوذ والسيطرة. فالنظام السياسي القائم اليوم لا يقوم على الكفاءة ولا على العدالة الاجتماعية، بل على شبكة معقدة من المصالح الشخصية، حيث يصبح المنصب وسيلة للسلطة والثروة، لا مسؤولية وطنية تجاه الشعب.

السياسي في لبنان لا يدخل الحياة العامة غالبًا ليخدم الناس، بل ليصبح زعيمًا عليهم. يسعى إلى النفوذ لا إلى الإصلاح، وإلى تثبيت اسمه لا إلى تثبيت الدولة. يريد جمهورًا يصفق له، لا شعبًا يحاسبه. يريد تابعين لا مواطنين، وولاءً شخصيًا لا ثقة وطنية.

هذا النظام بُني على فكرة أن الزعيم هو البديل عن الدولة، وأن المواطن لا يحصل على حقه إلا عبر باب السياسي، لا عبر المؤسسات. فبدل أن تكون الوظيفة حقًا وفق الكفاءة، تصبح هبة من نائب. وبدل أن يكون العلاج حقًا صحيًا، يصبح منّة من مسؤول. وبدل أن يكون السكن والأمان الاجتماعي من واجبات الدولة، يتحولان إلى أدوات انتخابية تُمنح مقابل الولاء.

هكذا تُختصر الدولة بشخص، ويُختصر الوطن بحزب، وتُختصر الكرامة الإنسانية بورقة توصية أو واسطة سياسية.

المشكلة الأخطر أن هذا الواقع لم يعد مجرد فساد فردي، بل أصبح ثقافة حكم. السياسي لا يخاف من الفشل، لأنه يعرف أن النظام يحميه. والمواطن يخاف من خسارة الزعيم، لأنه يعلم أن الدولة غائبة. فتستمر الحلقة نفسها: زعيم يزداد قوة من ضعف الناس، وناس يزداد ضعفهم من قوة الزعيم.

في الشمال اللبناني، كما في كثير من المناطق، يظهر هذا المشهد بوضوح مؤلم. لا مشاريع حقيقية، لا فرص عمل، لا استشفاء محترم، لا بنية تحتية تحفظ كرامة الناس. فقط مزيد من الفقر، ومزيد من الوعود، ومزيد من استغلال الطبقة الفقيرة التي تُستخدم كوقود دائم للانتخابات.

السياسيون لا يعالجون الحرمان، بل يديرونه. لأن المواطن المحتاج أسهل في السيطرة من المواطن الحر. الجائع لا يطالب بدولة، بل يبحث عن واسطة. والمريض لا يطلب إصلاحًا، بل يبحث عن توقيع. وهنا تكمن قوة النظام: في إبقاء الناس تحت الحاجة.

الاستهبال السياسي يظهر حين يتحدث المسؤول عن الإصلاح وهو شريك في الانهيار، وحين يرفع شعار مكافحة الفساد من يعيش عليه. يطلبون من الناس الصبر، بينما هم محصنون بالسلطة والامتيازات. يبيعون الأمل بالكلام، ويتركون الواقع ينهار بالفعل.

لبنان لا يعاني فقط من أزمة اقتصاد أو إدارة، بل من أزمة فلسفة حكم. فطالما السياسة تُمارس كملكية خاصة، وطالما الزعامة أهم من الدولة، سيبقى المواطن آخر الأولويات.

الوطن لا يُبنى بزعماء يبحثون عن مجد شخصي، بل بمسؤولين يعرفون أن المنصب تكليف لا تشريف. والسياسة الحقيقية لا تعني أن تحكم الناس، بل أن تخدمهم.

أما من يدخل السياسة ليصبح سيدًا على الناس لا خادمًا لهم، فهو لا يبني وطنًا، بل يبني مزرعة خاصة باسم الوطن.

 

الإعلامي: ربيع الشيخ

خاص: الحقيقة والخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى