منوعات

ترسانة الشيطان.. هل روسيا جادة بشأن استخدام السلاح النووي؟

لا شك أن الخبر الأكثر لفتا للانتباه مؤخرا(1) كان وضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القوات النووية الروسية في حالة تأهب قصوى، يعني ذلك أن تتجهَّز أدوات القتال النووية لأوامر انتشار وإطلاق لحظية قد تحدث في أي وقت، بالطبع تسبَّب هذا الإعلان في حالة من الخوف بين المواطنين في كثير من دول العالم، حتى إن الرئيس الأميركي جو بايدن صرَّح أن على أميركا ألا تخشى الحرب النووية.

جاء ذلك في سياق عدة تطورات، الأول هو وابل من الأعمال الانتقامية الغربية ضد روسيا بسبب حربها على أوكرانيا، ونقصد هنا تحديدا القيود الاقتصادية الأوّلية التي تسبَّبت بالفعل في تراجع قيمة الروبل الروسي تراجعا كبيرا، كذلك بدا أن الخطة الروسية لاجتياح أوكرانيا لا تسري كما رُتِّب لها، مع تراجع في بعض المناطق، وأخيرا، فقد عزَّزت الدول الغربية دعمها العسكري لأوكرانيا في الحرب، بل إن بعضها أيَّد دعوة كييف لتشكيل فيلق للمقاتلين الأجانب الراغبين في المشاركة في القتال.

قبل عدة سنوات، كان بوتين على رأس المعارضين للتلويح بنشر الأسلحة النووية، حتى إنه صرَّح آنذاك قائلا: “التلويح بالأسلحة النووية هو آخر شيء يجب القيام به. هذا خطاب ضار، وأنا لا أرحب به”، ثم ها هو الآن يفعل ذلك بعد ثلاثة أيام فقط من بداية الحرب. هنا يظهر السؤال الرئيسي خلال كل تلك الأحداث، هل تلويح روسيا بالنووي من باب المناورة السياسية فقط، أم أن العقيدة العسكرية الروسية تجعل من الأمر ممكنا حقا؟

ماذا تفعل روسيا الآن؟

أجرى الاتحاد السوفياتي أول تجربة تفجيرية نووية في 29 أغسطس/آب 1949، أي بعد أربع سنوات من استخدام الولايات المتحدة للقنبلة الذرية ضد اليابان في الحرب العالمية الثانية، اختبر الاتحاد السوفيتي نسخته الأولى من القنبلة النووية الحرارية عام 1953، ومنذ ذلك الحين نما المخزون السوفيتي من الرؤوس الحربية النووية بسرعة، خاصة خلال الستينيات والسبعينيات، وبلغ ذروته عام 1986 بنحو 40 ألف رأس حربي نووي.

في ديسمبر/كانون الأول 2020، أفاد(4) الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الأسلحة والمعدات الحديثة تُشكِّل الآن 86% من الثالوث النووي لروسيا، مقارنة بنسبة 82% في العام السابق، وأشار إلى أنه يتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 88.3% خلال عام واحد، وصرَّح أن وتيرة التغيير في جميع المجالات الحاسمة للقوات المسلحة سريعة بشكل غير عادي اليوم، مُضيفا: “لو قرَّرت التوقف لثانية واحدة، ستبدأ في التخلُّف على الفور”.

يبدو هذا جليا في نطاقات عدة. على سبيل المثال، تُواصِل روسيا حاليا سحب صواريخها المتنقلة من طراز “توبول” (Topol) بمعدل 9 إلى 18 صاروخا كل عام، لتحل محلها الصواريخ الباليستية العابرة للقارات من النوع “يارس” أو “RS-24″، اختُبر يارس لأول مرة عام 2007، واعتُمد من قِبَل قوات الصواريخ الإستراتيجية الروسية عام 2010، وبدأ إنتاجه خلال العام نفسه. تتضمَّن الترسانة الآن ما يزيد على 147 صاروخا من هذا النوع، منها 135 يمكن أن تُطلق منصة متحركة (عربة لها 16 عجلة) و12 فقط تحتاج إلى منصات إطلاق ثابتة.

يصل مدى يارس(5) إلى 12 ألف كيلومتر (هذا يساوي عرض دولة مثل مصر اثنتي عشرة مرة)، ويمكن أن يحمل 6-10 رؤوس نووية بقوة تتراوح بين 150-500 كيلو طن لكلٍّ منها (الصاروخ السابق توبول كان يحمل رأسا حربيا واحدا). تؤهل التقنية “ميرف” (MIRV) هذا الصاروخ لحمل أكثر من رأس حربي، كلٌّ منها قادر على أن يضرب هدفا مختلفا. كذلك صُمِّم يارس للتهرُّب من أنظمة الدفاع الصاروخي، حيث يقوم بمناورات أثناء الرحلة ويحمل شراكا خداعية، ومن ثم لديه فرصة لا تقل عن 60-65% لاختراق الدفاعات المضادة.

يُصيب يارس الهدف بدقة تكون في حدود 100-150 مترا من نقطة الهدف فقط، كما أن إعداد الصاروخ للإطلاق يستغرق 7 دقائق، وبمجرد أن تكون هناك حالة تأهب قصوى يمكن لصواريخ يارس مغادرة قواعده عبر السيارات التي تجري بسرعة 45 كيلومترا في الساعة، والقادرة على العمل في مناطق الغابات النائية لزيادة قدرتها على التخفي.

مخزون روسيا
من بين مخزون(8) الرؤوس الحربية النووية الروسية الحالي، هناك ما يقرب من 1600 رأس حربي إستراتيجي جاهز للضرب، نحو 800 رأس منها على الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، ونحو 624 على الصواريخ الباليستية التي تُطلَق من الغواصات، ونحو 200 في قاذفات القنابل الإستراتيجية. إلى جانب ذلك يوجد نحو 985 رأسا حربيا إستراتيجيا آخر في المخزن، إلى جانب نحو 1912 رأسا حربيا غير إستراتيجي (تكتيكي).

بالإضافة إلى المخزون العسكري للقوات العملياتية، هناك نحو 1760 من الرؤوس الحربية المتقاعدة، ولكنها ما زالت سليمة إلى حدٍّ كبير تنتظر التفكيك وإعادة التشغيل، ما يجعل إجمالي المخزون نحو 6000-6300 رأس حربي، علما بأن هذه أرقام تقديرية فقط، حيث لا تُعلن الدول عن العدد الحقيقي لرؤوسها الحربية النووية.

الخلاصة إذن أن برامج التحديث النووي الروسية، جنبا إلى جنب مع زيادة عدد وحجم التدريبات العسكرية، والتهديدات النووية الصريحة التي تُلقي بها ضد دول أخرى (فما حدث في حالة أوكرانيا 2022 ليس جديدا)، والعقيدة الروسية المتعلقة بالسلاح النووي تساهم جميعها في دعم حالة من عدم اليقين بشأن نِيَّات روسيا النووية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى