في كل عامٍ يأتي العيد محمّلًا بمعاني الفرح وصور اللقاء ونبض التكبيرات التي تملأ القلوب طمأنينة.
لكن أيُّ عيدٍ هذا الذي يمرّ على أمةٍ مثقلة بالجراح؟
أيُّ ابتسامةٍ يمكن أن تكتمل وأصوات القصف ما زالت تعلو على أصوات التهاني؟
نقف اليوم أمام مشهدٍ متناقض بين بهجةٍ يُفترض أن تعمّ وواقعٍ يفرض على القلوب حزنًا لا يُخفى في بقاعٍ من عالمنا
يُستقبل العيد بملابس جديدة وهدايا وزيارات بينما في بقاعٍ أخرى يُستقبل بدموع الأمهات وغياب الأحبة وبيوتٍ فقدت دفئها.
العيد ليس مجرّد طقوسٍ نؤديها ولا مظاهر نفرح بها العيد حالة إنسانية جماعية شعورٌ بالسكينة وإحساسٌ بالأمان ورسالة تضامن بين الناس.
وحين يُفقد هذا المعنى يصبح السؤال مشروعًا هل نفرح بالعيد فعلًا أم نحاول فقط أن نتناسى الألم؟
ليست الدعوة هنا إلى إلغاء الفرح فالإسلام دين الفطرة وقد جعل للعيد مكانةً عظيمة.
لكن الفرح الحقيقي لا يكتمل إلا حين يكون شاملًا لا يُقصي المكلومين ولا يتجاهل المظلومين.
الفرح الذي لا يلتفت إلى آلام الأمة يبقى فرحًا ناقصًا باردًا لا روح فيه.
وفي خضمّ هذا المشهد المؤلم تبرز تساؤلاتٌ لا بدّ منها تساؤلاتٌ يفرضها الواقع قبل أن يطرحها القلم
ماذا استفاد أهل الحروب من حروبهم؟ ماذا جنت الشعوب من دوّامات الدم والدمار سوى مزيدٍ من الفقد والانكسار؟
وهل كان القتل يومًا طريقًا إلى النصر أم بابًا لمزيدٍ من التيه؟
ثمّة من يربط هذا الخراب بتأويلاتٍ غيبية أو يعلّق آماله على أحداثٍ كبرى قادمة كأنّ الدماء يمكن أن تُمهّد لوعدٍ إلهي أو أنّ الفوضى قد تُسرّع زمن الخلاص.
غير أنّ السنن الإلهية لا تقوم على الفوضى ولا تُبنى على الظلم وسفك الدماء بل على العدل والإصلاح والعمل الصادق.
إنّ انتظار الخلاص دون وعيٍ أو عمل وهمٌ خطير وتعليق الآمال على توقيتاتٍ غيبية دون إدراكٍ لسنن الحياة
قد يحوّل الأمة من فاعلٍ في التاريخ إلى متلقٍّ للأزمات فالوقت لم يحن بعد لمن يظنّ أن الفوضى طريقٌ إلى النهضة ولم تكن الفتن يومًا جسراً للتمكين.
من هنا قد يكون العيد رسالةً هادئة لكنها عميقة ..
أن نعود إلى رشدنا أن نقدّم الحياة على الموت والبناء على الهدم والوعي على الاندفاع.
فليس كلُّ ما يُرفع من شعاراتٍ يُعبّر عن حق وليس كلُّ ما يُخاض من حروبٍ يُقربنا من النصر.
ربما يكون العيد في مثل هذه الأيام فرصةً لمراجعة الذات لا للهروب من الواقع.
فرصةً لنعيد ترتيب أولوياتنا ونسأل: ماذا قدّمنا لأمتنا؟ كيف نكون جزءًا من الحل لا مجرد متفرجين على الألم؟
كيف يتحوّل العيد من مناسبة شخصية إلى موقف إنساني جامع؟ في زمن الحروب والوعيد قد لا نستطيع إيقاف النزيف وحدنا
لكننا نستطيع أن نُبقي المعنى حيًّا بالكلمة بالدعاء بالموقف وبمدّ يد العون لمن يحتاج.
نستطيع أن نجعل العيد مساحةً للتكافل لا للغفلة.
عيدٌ… وأيُّ عيد؟
هو ليس ككل عيد لكنه قد يكون الأصدق.
عيدٌ يُذكّرنا بأن المسلم جسدٌ واحد وأن الفرح الحقيقي… لا يكتمل إلا إذا تم لم شمل الجميع
فلْيكن هذا العيد رسالةً للجميع: لم يحن الأوان بعد…
لكن الأوان دائمًا بأيدينا إن أحسنّا الفهم والعمل.
وكل عام وأنتم بخير
الإعلامي: ربيع الشيخ
خاص: الحقيقة والخبر