اخبار لبنان

الانتخابات النيابية بين المال والحرب… إذا طال القتال فهل ستحصل الانتخابات أصلاً!؟

لم يعد الحديث عن تأجيل الانتخابات النيابية في لبنان مجرد احتمال تقني أو ظرفي بل أصبح جزءاً من ثقافة سياسية اعتادت الهروب من الاستحقاقات كلما بدا أن النتائج قد تحمل مفاجآت غير مرغوبة.

ومع كل اقتراب لموعد الانتخابات تبدأ ماكينة التبريرات بالعمل مرة بسبب الوضع الأمني ومرة بسبب الأزمة الاقتصادية ومرة بذريعة الظروف الإقليمية.

لكن خلف هذه الذرائع يقف سؤال أكثر صراحة: هل تخشى الطبقة السياسية نتائج الانتخابات فعلاً؟

الواقع أن الانتخابات في لبنان لم تعد تُخاض فقط على أساس البرامج أو المشاريع السياسية بل تحوّلت تدريجياً إلى معركة نفوذ ومال في بلد يرزح تحت واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه ليصبح الصوت الانتخابي بالنسبة لبعض الناخبين وسيلة للبقاء أكثر منه تعبيراً عن قناعة سياسية.

وهنا يدخل المال السياسي بقوة: تمويل الحملات الضخمة تقديم المساعدات شراء الولاءات وحتى شراء الأصوات بشكل مباشر أو غير مباشر وبذلك تتحول المعادلة الانتخابية إلى قاعدة غير مكتوبة لكنها مفهومة للجميع من يدفع أكثر يحصد أصواتاً أكثر.

هذه الظاهرة ليست حكراً على لبنان حتى في دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية يلعب المال دوراً محورياً في الانتخابات حيث تتطلب الحملات مليارات الدولارات من التبرعات والإعلانات والدعم السياسي غير أن الفرق الجوهري يكمن في وجود مؤسسات رقابية قوية نسبياً هناك بينما في لبنان تبقى الرقابة ضعيفة أو شكلية ما يفتح الباب واسعاً أمام المال السياسي ليصبح العامل الأكثر تأثيراً في النتائج.

غير أن العامل الجديد الذي يفرض نفسه اليوم على المشهد اللبناني هو الحرب الدائرة في المنطقة فالتوتر العسكري المتصاعد بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران ومحور حلفائها من جهة أخرى ينعكس بشكل مباشر على الداخل اللبناني سياسياً ونفسياً وحتى انتخابياً.

الحروب عادة تغيّر مزاج الشعوب ففي أوقات الخطر يميل الناخبون في كثير من الدول إلى التصويت للقوى التي يرونها أكثر قدرة على الحماية أو المواجهة حتى لو كانوا ينتقدونها في الظروف العاديةوهذا ما قد يعيد خلط الأوراق داخل الساحة اللبنانية.

في لبنان الحرب ليست مجرد صراع إقليمي بعيد بل أصبحت أداة سياسية داخلية.

التأجيل المستمر للانتخابات النيابية يمنح النواب الحاليين تمديداً للسلطة والامتيازات وحماية من الغضب الشعبي الناتج عن الأزمة الاقتصادية وفي الوقت نفسه فرصة لإعادة ترتيب تحالفاتهم السياسية كل يوم يمتد فيه النزاع الإقليمي يجعل المواطنين منشغلين بالنجاة والقلق الأمني بينما النائب يستفيد من الموارد والظهور الإعلامي لتعزيز شعبيته.

باختصار الحرب تجعل الانتخابات مهددة قبل أن تبدأ وتمنح السلطة الحالية فرصة لتثبيت مواقعها على حساب الديمقراطية.

فإذا استمرت الحرب أو توسعت قد تتحول الانتخابات من معركة حول الاقتصاد والفساد والإصلاح إلى معركة حول الأمن والاصطفافات الإقليمية عندها قد تتراجع أولويات مثل الإصلاح الاقتصادي أو محاربة الفساد لصالح شعارات تتعلق بالمواجهة أو الاستقرار

أما إذا طال أمد الحرب فقد يظهر سؤال أكثر حساسية..

هل ستُجرى الانتخابات أصلاً؟

التاريخ اللبناني مليء بالأمثلة على استحقاقات دستورية تم تأجيلها بسبب الأوضاع الأمنية أو السياسية. وفي ظل وضع إقليمي شديد التوتر، قد تجد بعض القوى السياسية في الحرب ذريعة مناسبة لتأجيل الانتخابات مرة جديدة خصوصاً إذا كانت التوازنات الحالية في البرلمان تخدم مصالحها.

وهنا تكمن المفارقة:

فالانتخابات التي يفترض أن تكون أداة لتجديد الحياة السياسية قد تتحول إلى استحقاق يخشاه كثير من السياسيين بينما يصبح التأجيل بالنسبة لهم الخيار الأكثر أماناً

في النهاية يقف اللبنانيون أمام ثلاث قوى تتحكم بمصير الانتخابات: السياسة والمال والحرب وإذا اجتمعت هذه العوامل في لحظة واحدةفإن الديمقراطية اللبنانية تجد نفسها مرة أخرى أمام اختبار صعب.

فهل ستجري الانتخابات في موعدها فعلاً؟

أم أن اللبنانيين سيستيقظون مرة أخرى على خبر التأجيل… وكأنه أمر بديهي في بلد اعتاد تأجيل كل شيء؟

 

الإعلامي: ربيع الشيخ

 

خاص: الحقيقة والخبر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى