في خضم صراعٍ إقليمي محتدم، حيث تتشابك المصالح الدولية مع النزاعات العقائدية والسياسية، يبرز سؤالٌ جوهري: هل حققت إيران مكاسب حقيقية من توسيع دائرة المواجهة لتشمل دول الخليج العربي والمملكة العربية السعودية؟ أم أن ما قامت به كان خطأً استراتيجياً عميقاً سيدفع ثمنه لسنوات طويلة؟
من حيث الظاهر، قد يبدو أن إيران سعت عبر هذه الضربات إلى إيصال رسائل قوة، وإظهار قدرتها على ضرب خصومها بشكل غير مباشر، وتوسيع ساحات الاشتباك لتخفيف الضغط عنها في جبهات أخرى. إلا أن القراءة المتأنية تكشف أن هذه الخطوة لم تكن سوى مغامرة عالية الكلفة، سياسياً وشعبياً واستراتيجياً.
أولاً، إن استهداف دول الجوار، وخاصة دولاً إسلامية، أضعف بشكل كبير الخطاب الإيراني الذي طالما قدّم نفسه كمدافع عن قضايا الأمة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فبدلاً من توحيد الصف الإسلامي في مواجهة إسرائيل، ساهمت هذه الضربات في تعميق الانقسام، وتحويل الصراع من مواجهة مع عدو خارجي إلى نزاع داخل البيت الإسلامي نفسه.
ثانياً، أعطت هذه التحركات مبرراً إضافياً للولايات المتحدة وإسرائيل لتوسيع تحالفاتهما الإقليمية. فدول الخليج التي كانت تتبنى أحياناً مواقف متحفظة، وجدت نفسها أمام تهديد مباشر، ما دفعها إلى تعزيز تعاونها الأمني والعسكري.
ثالثاً، على الصعيد الشعبي، خلقت هذه الضربات حالة من النفور في الشارع العربي والإسلامي. فالمواطن البسيط، الذي قد يتعاطف مع أي طرف يواجه إسرائيل، يجد صعوبة في تبرير استهداف دول مسلمة، لا سيما عندما تكون هذه الضربات مصدر تهديد مباشر لأمنه واستقراره الاقتصادي.
رابعاً، اقتصادياً، لم تحقق إيران أي مكسب يُذكر. بل على العكس، ساهم التصعيد في زيادة الضغوط والعقوبات، ورفع منسوب التوتر في أسواق الطاقة، ما ينعكس سلباً على الجميع، بما فيهم الشعب الإيراني نفسه الذي يعاني أصلاً من أزمات معيشية خانقة.
أما استراتيجياً، فإن توسيع دائرة الصراع دون امتلاك القدرة على حسمه، يُعد من أخطر الأخطاء في علم السياسة والحروب. فبدلاً من تركيز الجهد في مواجهة الخصم الأساسي، قامت إيران بتشتيت مواردها وفتح جبهات متعددة، ما يجعلها أكثر عرضة للاستنزاف على المدى الطويل.
في الخلاصة، يمكن القول إن استهداف دول الخليج والمملكة العربية السعودية لم يمنح إيران تفوقاً حقيقياً، بل وضعها في موقع أكثر عزلة، وأضعف قدرتها على بناء تحالفات، وعمّق الفجوة بينها وبين محيطها الإسلامي. لقد كان قراراً يحمل طابع الاندفاع أكثر من كونه نتاج حسابات استراتيجية دقيقة.
لكن الصورة لا تكتمل من دون الإشارة إلى حقيقة موازية لا تقل أهمية: أن هذه الحرب لم تُنتج منتصراً حقيقياً، بل كشفت عن خسارة مزدوجة لجميع الأطراف، بما فيهم الولايات المتحدة وإسرائيل.
فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تجد نفسها غارقة أكثر في مستنقع الشرق الأوسط، تستنزف مواردها، وتفقد تدريجياً قدرتها على فرض استقرار دائم أو حسم سريع. أما إسرائيل، فرغم قوتها فهي تواجه بيئة إقليمية أكثر توتراً وخطورة، حيث تتسع رقعة التهديدات وتتعاظم احتمالات المواجهات متعددة الجبهات، ما يضع أمنها في حالة استنزاف دائم.
بمعنى آخر، إذا كانت إيران قد أخطأت استراتيجياً بتوسيع دائرة الصراع نحو دول الجوار، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تحققا نصراً حاسماً، بل دخلتا في معادلة استنزاف طويلة، مكلفة وغير مضمونة النتائج.
في الخلاصة، تبدو هذه الحرب كمعادلة خاسرة للجميع:
إيران خسرت محيطها الإسلامي وأضعفت موقعها الإقليمي،
والولايات المتحدة وإسرائيل غرقتا أكثر في صراع مفتوح بلا أفق واضح.
وفي نهاية المطاف، تبدو هذه الحرب كأنها معركة بلا طعم ولا نتيجة حقيقية. فالحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضد إيران لم تُقدّم إنجازاً يُذكر، ولم تغيّر موازين القوى بشكل حاسم، بل أضافت طبقة جديدة من الفوضى والتوتر.
إنها حرب خاطئة في حساباتها، مكلفة في نتائجها، ومفتوحة على احتمالات أكثر خطورة. فالولايات المتحدة وإسرائيل لم تحققا نصراً واضحاً، بل النتيجة أقرب إلى خسارة بخسارة، حيث يدفع الجميع الثمن دون أن يحصد أحد مكسباً حقيقياً.
وماقامت به إيران من توسيع دائرة القصف عشوائيا إلى دول الجوار لم يكن سوى خطوة إلى الخلف، مهما بدا في لحظته استعراضاً للقوة.
وفي مشهدٍ كهذا، لا يُكتب النصر لمن أطلق النار أولاً، بل لمن تجنّب إطلاقها من الأساس.
الإعلامي: ربيع الشيخ
خاص: الحقيقة والخبر